الملكة نفرتيتي – نموذج الاخلاص

8590148158_5f7922bf3d_b

ولدت نفرتيتي سنة 1335 ق. م. ولقد اوصاها ابوها عند زفافها الى الملك الشاب اخناتون ان تبقى الى جوار زوجها وتشد من عضده . وهكذا حدثنا المؤرخون ان نفرتيتي كانت زوجة معينة لزوجها في اصلاحاته وساعده الايمن في اعمالهه ومشروعاته، انها لم تشاركه العرش فحسب بل شاركته الامه واماله، ولازمته كزوجة ومستشارة وصديقة ورفيقة وهكذا شأن كل امرأة مخلصة حكيمة. وكان الملك اخناتون يحب نفرتيتي محبة فائقة وما زالت الاثارة ترينا صورته وهو الى جانبها وتشع فوقهما اشعة الشمس وتحيط بهما هالة من النور. وبالاجمال فقد كانت نفرتيتي تظهر معه في جميع النقوش التي تخلفت عن تل العمارنة سواء كان في المعبد ام القرية.

لمحات من حياة فرنسيس -2

0165c7a4f2d17b71de2156944725a7cb

امن فرنسيس ان الله خلق هذا العالم وانه يريد ان يكون هذا العالم مكانا افضل للعيش. هذا العالم في حاجة الى الغذاء الروح. لذا راح ينشر تعاليم الرب يسوع. وبينما كان يخدم المجتمع كان ايضا يستجدي من اجل قوت يومه. ثم تفاجأ عندما رأى حياته البسيطة هذه قد جذبت اليه اتباعا كثرا. لقد رأى الناس فيه شخصا يستطيعون الوثوق فيه. لقد كان شخصا يحيا الحق. لقد اتوا اليه قائلين نريد ان نعيش مثلك.

يقول: “بعد ان اعطاني الله بعض الاخوة. اتوا اليّ لينالوا الحياة. وقد اعطوا كل ما لديهم الفقراء واكتفوا بسترة مرقعة”.

لقد تأسست تلك الاخوية وكأنها حركة سلام. تألفت من اشخاص عديدين يمثلون طبقات الشعب المختلفة. وكان لدى فرنسيس القدرة على تجديدهم باحلام جديدة لمستقبل جديد. ان الطريقة التي عاش بها جذبت اليه الكثيرون لكي يخرجوا من العنف الفظيع الذي غمر كل مدن ايطاليا في القرون الوسطى. وكان معظمهم كان غير راض عن الطريقة التي يتكون بها المجتمع والوضع الذي صارت اليها الكنيسة. في وسط هذا كان فرنسيس صارما فيما يتعلق بالعفة والنظام، وبعد ان تم تحذيره من قبل الكثيرين بأن عليه ان ياخذ الاذن اولا من البابا لكي يعظ قرر الذهاب لروما.

لم يكن يريد ان يصير كاهنا. فهو الرجل الذي اراد التكريس فقط.. وهناك في روما وجد نفسه وقد انتقل من كنيسة فقيرة الى كنيسة مزدانة بخيوط الذهب. انه الان يقف امام “سيد العالم”. كان وجود هذا الرجل الذي يمثل حياة زهد لا مساومة فيها ، يمثل تحديا لاسلوب حياة الباباوات والكرادلة. لقد اتي الى البابا غير منتعل حتى حذائه في محضره. لقد كان بحق رجل الله، رفضه كان يعني رفض الانجيل. وعلى هذا الاساس اعطى البابا هذا النبي الحاف الاذن لكي يعظ. لقد رأى البابا في فرنسيس صورة المسيح الاصيلة.

سأله البابا:

– اين ستقيم الان؟

– ايها الاب الاقدس، نحن الان ليس لينا دير. نحن نقيم على ضفاف الانهار. ونهتم فقط بالخروج الى العالم والوعظ بالانجيل.

فسأله البابا مجددا: من اين حصلت على تعليمك اللاهوتي؟

– انا ليس لي اي ثقافة لاهوتية بل اشعر بروح الله داخلي.

– انا موافق.

كان هذا امرا استثنائيا فالمعروف ان قادة المؤسسات يهابون الانبياء. ولكن في هذه اللحظة نجد ان البابا وهذا الراهب يتفقان. كان من المتوقع ان يعود الكرادلة للعمل كالمعتاد. ولكن من هذه الحظة لم يعد العمل ابدا كالمعتاد، لا في روما ولا في اسيسي.

وفي طريق العودة من روما توقف فرنسيس ورفاقه قليلا. سأله رفاقه: ماذا ستفعل؟ .. وراحوا يتكلمون عما يجب فعله. هل يجب ان نعيش كالنساك، ام نخرج الى الناس؟ .. في ذلك اليوم قرروا الخروج الى العالم. اعتقد الناس في البداية انهم شحاذون وغير مرغوب فيهم. احتقروهم وسخروا بهم ورموا عليهم الوحل. وسرقوا ملابسهم بينما يستحمون في الانهار. لقد كثرت الشكوك عن حقيقة هذا الرجل.

**

قديس الطيور

في ربيع العام 1209 حصل امر جعل الناس يحبون فرنسيس ومن هذا العام كان الناس يلقبونه القديس. شفيع الحيوانات..في يوم من الايام بينما كان يعظ من الانجيل. ملوا وراحوا يتجاهلونه فغضب فرنسيس بشدة. لربما استمعتني الطيور اذا تكلمت اليها وراح يعظ الطيور. راح يعظ لفترة لا بأس بها. ان عظته للطيور صارت احد الموضوعات المفضلة لرسامي العصور الوسطى. في اولى العصور الوسطي ستجد 3 انواع من الطيور، نوعان من الغربان ولم يكن ايا منها من الانواع اللطيفة. هو لم يكن يعظ للحمام او الطواويس، كان يعظ للطيور المكروهة. كانا يرمزان للعمال والفقراء. لم تكن تلك الرسوم تشير الى ان فرنسيس يعظ الطيور بل كانوا يدركون جيدا ان فرنسيس يعظ ادنى طبقة من المجتمع.

لو ذكرت اسم فرنسيس امام اي شخص كان رد فعله التلقائي أليس هذا هو قديس الطيور. انه قديس الطبيعة. انه عاشق رومانطيقي للطبيعة. بسبب هذه الصور التي تبدو حالمة. اعتقد الناس بعد مماته ان فرنسيس كان ودودا وهادئا. لكن فرنسيس كان يدعو الناس لكي يقوموا بعمل قاس. ما يقوله فرنسيس ان علينا ان نحب بعضنا بعضا من خلال امور بسيطة. من خلال مساعدة بعضنا. ان رقته تجاه العالم جعلت منه شخصا فريدا، نموذجا. كانت رقته لا تنضب في كل تحرك. في كل قول وكل فعل.. كان يعلن محبة الله بينما كان الاخرون مصدر عثرة.. بدون ان يدرى كان فرنسيس يقدم المسيحية الجذابة بدون ان ينقض السلطات الكهنوتية.

***

رهبنة النساء

كانت رسالة فرنسيس رسالة جديدة تناسب الرجال والنساء. لقد اطلق حركة جديدة، وقد اثرت هذه الحركة فيما بعد سيدة تدعى “كلير”. و كلير هذه فقد كانت امرأة رائعة بحق. عندما كانت في بداية عمر المراهقة تأثرت جدا بوعظ فرنسيس. ارادت ان تحيا مثل فرنسيس وان تفعل نفس الامور التي يفعلها. وفي يوم احد الشعانين هربت خلسة من بيت ابيها. ذهبت الى فرنسيس وتوسلت اليه ان يسمح لها بالانضمام الى رهبنته. لقد تخلت عن ملابسها الفاخرة. اعطاها فرنسيس الثوب الفرنسيسكاني البسيط. و قص شعرها علامة انها تخلت عن العالم. لم يسمح لها ان تعيش بين رهبانه، وأعد لها مكان في كنيسة سان دميان الصغيرة.

في ذلك المكان، حيث سمع فرنسيس صوت الله لاول مرة، تأسست رهبنة السيدات الفقيرات. التي انضم اليها اولا امها واختها المترملة ولاحقا انضم اليها اعدادا كبيرة من السيدات الاخريات. ومن وراء جدران هذا الدير عاشت كلير حياة فقر. اذا فمنذ البداية كانت رهبنة فرنسيس تضم الرجال والسيدات، فالسيدات كن يمثلن جزءا من الرؤيا التي اعطاها له الرب.

***

خدمة البرص

وبينما كان فرنسيس يتخلى عن الكثير من الامور كان اصدقاؤه يخشون عليه من عدم امكانية الاستمرار. لقد عاش حياة صعبة. صعبة جدا. لم يكن يهتم بأكله ابدا. فكان جسده ينهار بسبب سوء التغذية هذا. بسبب المدة الطويلة التي قضاها في معالجة مرضى البرص اصيب بهذا المرض، فبدأت كل علامات المرض تظهر على جسده الضعيف.

في شتاء عام 1231 عاودت فرنسيس نوبات الملاريا التي منعته من ممارسة الوعظ. وكان رفيقه الاخ جايل الذي قال: “لو كان مثلي لما استطاع العالم ان يشاهد جروحه الملتهبة”. لقد كان متعبا فاراد ان يذهب وحيدا طلبا للراحة.

خلال الاربعة سنوات التي لازم فيها فراشه المصنوع من القش، انضم 3 الاف راهب للاخوية. مع ازدياد المتطلبات كان فرنسيس يزداد ضعفا. عندئذ كتب رسالة حزينة لصديقته كلير:

“الا تعتقدين انه من الافضل لي ان اعتكف في صومعة الناسك؟”

وكان رد كلير سريعا:

“عليك ان تستمر في الوعظ لان الله لم يدعك لاجل نفس بل لاجل خير الاخرين”

***

ذهابه الى مصر

عندئذ ولدهشة كلير والاخوية قرر فرنسيس الابحار الى مصر، للمشاركة في الحملة الصليبية الخامسة. لقد تأثر القرن الثالث عشر كثيرا بالحملات الصليبية ومثل مععظم الشباب المتحمس انضم فرنسيس للجيش.

في تلك العصور كانت تطلق الحملات المتتالية لاجل تخليص الارض المقدسة من ايدي غير المؤمنين. باشر فرنسيس هذه الرحلة بهدف الوعظ. وكمثل كثير من رحلاته لم تكن النهاية مثلما تصورها من البداية. ان قرار ذهابة في هذه الرحلة الخطيرة لم يعجب كثير من رفاقه. لقد ظنوا انه قد لا يعود. فقد كان التبشير بالمسيحية في بلاد المسلمين يعد جرما قد تصل عقوبته الى الاعدام احيانا.

وهناك شهد فرنسيس افظع المعارك في الحملة الصليبية الخامسة. ما شهده لابد انه كان مهولا! لقد رأى تصرفات صعبة من الجنود لا تمت للمسيحية بصلة. ان هذا الامر غيّر في طريقة تفكيره. السلام كان فكرة مستحيالة، لكن فرنسيس كان رجل المستحيلات. فقرر بنفسه ان يعبر خطوط العدو ليصنع السلام مع السلطان المصري. لقد شعر ان لديه مهمة روحية قد تساعد على صنع السلام.

تمت مرافقته الى مخيم السلطان. وكان يعتقد انه سيكون ذلك الفرد الوحشي المصمم على قتل المسيحيين. ولكن ما وجده ان السلطان كان متدينا ومثقفا على درجة عالية من التهذيب. يقول:

“كان للسلطان سمعة انه على دراية عالية ومتعلما بعض الشئ. كان يحب الشعر الباطني ومرتبطا بالصوفيين”.

ما حدث بعدها كان غير متوقع. فقد سمح لمسيحي ان يعظ بالانجيل في حضرة اقوى حاكم مسلم في ذلك العصر. هنا نرى رجلين نعتقد انهما يفضلان الفن النبيل عن الحرب. فبدلا من الحرب تكلما عن السلام، وبدلا من اللوم نال فرنسيس الاحترام. لقد ادرك فرنسيس ان السلطان يرغب في السلام بقدره تماما. لابد ان فرنسيس قد صدم. اولا بسبب الصورة السلبية التي انطبعت فيه عن الحملات الصليبية. ثانيا بسبب الاحترام الذي ناله من السلطان.

عاد فرنسيس الى بلاده. خلال رحلة طويلة واجه فرنسيس الحر والجوع وامراض مختلفة كانت تحملها الحشرات الطائرة. ومنها مرض طفيلي قد يفقده بصره. وبينما الرؤية كانت تضعف، كانت الرؤية داخله تكبر، واكتشف ان الصلاح والرحمة اهم شئ في الحياة. قضى فرنسيس بعيدا عن الاخوية قرابة السنة وظن الجميع انه قتل. خصوصا بعد ان سمعوا خبر هزيمة الصصليبين في مصر. ولكن عندما وصل اليهم بدا الامر وكأنه معجزة.

**

الاخوية تتعرض لصعوبات

جلب النجاح العظيم لحركة فرنسيس المتاعب. كان سهلا عليه التجول مع القليل من اتباعه كواعظ، ولكن الان صار الامر اصعب بكثير: كيف يمكنك تنظيم هذه الحياة وهناك حوالي عشرة الاف راهب منتشرين في كل اوربا؟ حصل انقسام في الاخوية – فالرهبان الجدد ارادوا حياة الرهبنة التقليدية فبدأوا يطالبون بالابنية والكتب الخاصة بهم. راح فرنسيس يجاهد بأن يحافظ على رؤيته الاصلية بأن يكونوا فقراء. كان يقول لهم: “علينا ان نحيا بطاعة وعفة بدون طلب اي شئ لانفسنا”. وهكذا بدا وكأنه يوبخ اخوته: “لا تحاولوا تفسير كلماتي” و كأنه يحاول ان يقول “ما هو الامر الاصعب في عدم فهمكم لكلمة الله؟”. لقد رأى انهم يختطفون من مثله البسيطة التي بدأ بها، لدرجة انه لم يستطع التعرف بسهولة على الاخوية.

سيطر الرهبان الجدد على الاخوية، مما دفع فرنسيس للعيش على هامش نظامه الخاص. لقد شعر بالحزن. شعر انه يتألم بشدة: جسديا بسبب المرض، وروحيا بسبب الصراع النفسي الذي يعيشه. كان يقول:

“انا اشعر وكأني جثة هامدة تطرحها اينما تشاء”.

بسبب كل تلك الامور تخلى عن قيادته. لكن في هذا كانت نجاته، لانه بسبب تخليه عما هو عزيز عليه، كان يدخل المرحلة النهائية من التجديد.

***

على جبل لادارنة

بحسب المقاييس الارضية كان فرنسيس يعتبر رجلا فاشلا، اتباعه ما عادوا يتبعونه، وخطته للسلام صارت عديمة القيمة. ولكن فيما هو ضعيف ويائس وشبه اعمى، قرر الصعود الى جبل لادارنة ليمضي اربعين يوما في الصلاة والصوم. كان يمضي في السير وكان يتساءل ما الذي انجزه في حياته. لقد علم انه يقترب من نهاية حياته.. عندها قد بلغ حدا كبيرا من النسك.

لقد كان مأخوذا لدرجة انه كان معرضا لاي امر. لا نعلم ما حصل بالضبط. لكن امرا ما قد حصل. لقد كان لديه نوع من العزم والقبول من انه يسلك الدرب الصحيح. ان هذه اللحظات من حياته كانت في الاغلب اكثر شيوعا لدى الرسامين. رسامو العصور الوسطى رسموا فرنسيس وهو على جبل لادارنة يأخذ من الملاك “جروحات المسيح الخمسة”. كانت هذه اول مرة في التاريخ نرى على شخص غير المسيح تظهر عليه هذه الجروح وهو ما اسمى “الندوب”. فرنسيس لم يذكر عن هذه الجروح اي شئ خلال حياته. البعض نظر اليها على انها رموز، والبعض على انها علامات حسية على جسده. من وجهة نظر المؤرخين لا تبرهن تلك الرسوم على انها قد حدثت مرافقة للرؤية التي رآها على جبل لادارنة..

في اخر حياته بدأت تظهر عليه علامات البرص. انها كانت نتيجة التعب او البرص اثناء خدمته للبرص. هل كانت قد ظهرت عليه او لا؟ انها ، على لية حال، اشارة الى انه اتم المهمة الموكلة اليه. انه قد عاش الانجيل متشبها بالمسيح.

بالرغم من محاولاته الضعيفة لمعاودة نشاطه في الوعظ لكنه لم يستطع. اخيرا طلب من تلاميذه ان يعيدوه الى كنيسة القديس دميان ولكن في هذه المرة لم يستطع ان يرى الصليب الذي كلمه من سنوات عديدة. لقد كان مريضا ويشعر بالام البرص، فاستخدم الامه هذه كطريق للصليب. وفجاة في هذا الظلام اتت قصيدته العظيمة “كنور عظيم”. وبعد ليلة من المعاناة استجمع قواه ليملي على احد رهبانه قصيدة تسبيح عن عمل الله في الخليقة. انه يغني اغنية الشاعر. التي يغني فيها في نهاية حياته ملخصا اياها بكلمات:

” كل التسبيح لك يا رب على كل ما صنعت.

اولا على الاخت الشمس التي تعطينا النهار والنور المنبثق منها،

كل التسبيح لك يا رب على الاخ قمر والنجوم في السماء. لقد صنعتها براقة، جذابة وجميلة.

كل التسبيح لك يا رب على الاخت مياه المفيدة..

كل التسبيح لك يا رب على الاخ نار، من خلاله تضئ لنا الليل..

كل التسبيح لك يا رب على الاخ موت الذي لا يستطيع هالك الهروب منه”.

**

نياحة فرنسيس

متقويا من ضعفه، مستغنيا من فقره، ترك فرنسيس، المريض الهزيل، كنيسة سان دميان، وفي عمر الاربعة والاربعين راح يستقبل الموت. لقد كان وحيدا .. لمدة اربعة ايام كان يتأرجح بين الحياة والموت مترنما بالمزامير. كانت “كلير واخواتها” قد وصلتهم اخبار عنه. في النهاية كان خوفه من الموت فقد رأى وجهه وقد صار كأخ له. اني متعجل للقاء الرب الذي خدمته بروحي. وعند الشروق بالضبط اسلم الروح بسلام كلي. وفي تلك اللحظة رأى سكان اسيسي الحمائم تحلق، والاجراس تقرع.

بعد سنتين فقط من موته، تم اعلان قاسته في روما. وتم بناء بازليك كبيرة لتحتضن رفاته. اليوم عشرات الالاف من الفرنسيسكانيين والملايين حول العالم يقتدون بسيرته. وقد عرفه العالم من خلال الصلاة التي كتبت على رسالته خلال الحرب العالمية:

“يا رب استعملني لسلامك، فازرع الحب حيث الكراهية، والمغفرة حيث الاساءة. والانسجام حيث النزاع، والايمان حيث الشك، والرجاء حيث اليأس. والفرح حيث الحزن. اعطني ان ابحث لا عن عزائي، بل عزاء الاخرين. لانه بالعطاء نحن نأخذ، وبالموت نحن نأخذ حياة ابدية”.

لمحات من حياة فرنسيس الاسيسي -1

st-francis-of-assisi

مقهورا من المرض في الاسر راح فرنسيس يرقب كيف تتحول الاسابيع الى شهور. راح يتأمل حياته الماضية. لقد اختبر امورا كثيرة: اختبر الاشتغال بالتجارة، اختبر خوض المعارك، اختبر حياة الترف واللهو.. ولكنه لم يجد سوى الشعور بالفراغ والضياع. نسمعه يقول:

“كنت ضعيفا جدا وشاعرا بتفاهة الحياة”.

واخيرا بعد مرور سنة قضاها في الاسر دفعت الفدية واطلق سراحه. بعد مرور سنة اخرى على اطلاقه من الاسر، كان يبدو انه يحيا بدون هدف. بدا انه فقد اي معنى لحياته. لقد تركت الحرب والمرض جراحات وكدمات عديدة لفرنسيس، مما سبب له شعورا فظيعا، لدرجة انه قال لنفسه يوما “لابد ان الحياة معنى اهم من هذا..”. كانت هذه التجربة نقطة اعداد لفرنسيس كي يقبل عمل الله لحياته فيما بعد.

ذات يوم دخل فرنسيس كنيسة دميان الصغيرة والمهدمة.. يقول فرنسيس في مذكراته:

“لقد امعنت النظر في هذا الصليب. لقد بدا وكأنه يقول لي:”فرنسيس، الا ترى ان بيتي مهدم؟ اذهب واعد بنائه لاجلي”. وقف فرنسيس في تلك الكنيسة الصغيرة المهدمة يتأمل صوت الله: “رمم بيتي. الا ترى الخراب؟!” نظر حوله وقد تأمل مليا ثم قال: “يا الهي! ان الفوضى تعم المكان”.

انما في تلك اللحظة لم يستطع ان يرى معنى تلك الكلمات الحقيقي. لقد اعتقد حينها ان عليه ان يرمم بناء تلك الكنيسة الصغيرة، ولم يكن يدري ان الله يدعوه ان يخدم النفوس روحيا مدى حياته. ركع فرنسيس يصلي:

“ايها الاله الحبيب. انر ظلام قلبي، واعطني الايمان الحقيقي حتى استطيع ان انفذ امرك الحق والمقدس”.

عندما غادر فرنسيس تلك الكنيسة لم يكن نفس الشخص الذي دخلها. اصبح لديه شئ يفعله في حياته. لديه شئ يفعله. كان ذلك الصوت في الكنيسة نقطة تحول لفرنسيس. لم يكن امرا عابرا ولكنه غير حياته.

راح فرنسيس يمضي بعض وقته وحيدا في الكهوف، مشاركا اجتماعات الصلاة في الكنائس، محاولا ان يسمع ذلك الصوت مجددا. لقد صار واضحا لعائلته واصدقاء الحانة ان تصرفاته تتغير. كانت امه ترى فيه تغيرا لم تستطع فهمه.

احتاج فرنسيس المال والعدة كي يستطيع ان يرمم الكنيسة بطريقة صحيحة. ولقد صار غضب ابيه عظيما عندما علم ان فرنسيس استطاع الحصول على المال، من خلال بيعه لبعض الملابس ومن خلال اشياء اخذها دون علمه من منزله. لقد حاول ان يتفهم ابنه. كان صبورا ومحبا، ولكن هذه المرة كان فرنسيس قد تجاوز الحدود. والطريقة الوحيدة التي يعالج بها الموضوع كان ان يدعو القرية لاجتماع عاجل لمناقشة الامر.

ذهب الاب لمقابلة فرنسيس ليقول: “لا تستطيع ان ترمم الكنيسة بهذا المال. انظر. لابد ان تعيد هذا المال”. حضرت المدينة ذلك الاجتماع.

وصل فرنسيس الى ساحة القرية مرتديا حلة جديدة. وفي خلال لحظات كان محط انظار الجميع. يقول فرنسيس عن هذا:

“حتى هذه اللحظة كنت ادعو بيادرو ابي، ولكن بما انني قررت ان اخدم الله فيجب ان ارد المال وكل الملابس اليه. ومن الان فصاعدا اريد ان اقول ابانا الذي في السموات وليس ابي برنادوني.

لقد كان الامر صعبا بالطريقة التي حصل بها: ان يتخلى هذا الابن عن والده، جالبا العار عليه ، ليس في المنزل بل في ساحة القرية، وفي حضور المطران، وكل اهل اسيسي. لابد ان والده شعر بالعار والحزن! وقد نسأل نحن كيف يمكن لقديس ان يفعل هذا؟! ولكن هذا التصرف كان ذو معنى! ما كان يحاول فرنسيس ان يقوله هو: “انني بعد الان، لا اعتبر نفسي الوريث الشرعي”. لذا فقد خلع فرنسيس ملابسه وهو يهتف:

“خذ يا ابي مالك وكل ملابسي فسأتبع – عريانا – المسيح العريان”.

عندها غطى المطران عري فرنسيس بعباءته الكهنوتية، ليشير ان فرنسيس صار ابنا للكنيسة. فالكنيسة الان تحمي هذا الشاب الصغير الذي يبدو مجهولا، ولكنه يحاول ان يعطي حياته لخدمة النفوس.

وعندما غادر فرنسيس الساحة، كانت الجموع تصيح: فرنسيس .. بوفازو بوفازو! اي فرنسيس ايها الرجل المجنون!

عندما تخلى فرنسيس عن  والده ولبس زي الفلاحين تاركا اسيسي ، كان يعلم ما هي وجهته. ففي ربيع عام 1206 انطلق فرنسيس في رحلة جعلته كل حياته هائما وباحثا، وفي النهاية قديسا. كانت لحظات التحول والعمق في حياته تحتاج للتدريج. ان التحول في حياة اي شخص يحتاج لوقت طويل، وهذا الامر كان ينطبق بالتأكيد عليه.

بالنسبة لفرنسيس، لم تكن معرفة الله داخل جدران الدير. بل في الخارج على وديان اسيسي، هناك كانت المواجهة. وفي اسيسي تقابل مع شخصا ارعبه جدا، لانه كان مصابا بالبرص. كان قريبا من اسيسي مكانا مخصصا لعزل مرضى البرص. وكان بامكانك ان تشتم رائحة البرص النتنة من على بعد ميلين او اكثر. كان الناس يرتعدون من هذا المرض. كانوا يعرفون انه معد ولم يكن لديهم ادنى فكرة عن سببه. ان صوت الصرخات الذي يطلقه مرضى البرص كان يحذر الناس من عدم الاقتراب منهم لما يمثله ذلك من خطر. كان هذا المرض يصيب العظام العظام والغضاريف. الوجه والانف يبدأن عمليا بالاهتراء. وكان مرض البرص علامة لوجود خطية. لذا كان يطلب من الشعب الصلاة من اجلهم.

ببساطة لم يستطع ان يحتمل فرنسيس رؤيتهم.

يقول فرنسيس في مذكراته:

“عندما كنت احيا في الخطية، كان من الصعب ان انظر الى اي ابرص. ولكن الله بنفسه قادني اليهم لكي اظهر لهم الرحمةط.

كان فرنسيس يظهر لهذا الابرص الرحمة. يظهر المحبة لشخص لا يعرف ما معنى دفء اللمسة الانسانية. لشخص اعتاد ان يرى الناس تهرب منه.

بالنسبة لفرنسيس كان البرص فرصة لكي يظهر الله عمله في حياته. ولم يمض وقت طويل حتى وجد نفسه في مصحة البرص يرعى المرضى محاولا تنظيف الجروح. كان بالنسبة له امتحان. هو نفسه الذي لم يكن يستطيع النظر الى جروح البرص دون ان يغطي انفه، وجد نفسه الان يحضن هؤلاء المرضى. الله قاده الى تلك الاماكن التي رفضها الاخرون، فاكتشف قيمة النفس وجمال هؤلاء الاشخاص.

يقول عن ذلك:

“وعندما غادرت ادركت ان ما كان يبدو لي في السابق مرا قد تحول الى حلاوة في النفس والجسد”.

ولولا هذا التحول الجذري لم يكن فرنسيس ليصبح ما هو. هذا هو الامر الذي تمحورت حوله حياته بالاجمال. هذا الشاب الودود الذي كان يحب ان يدعي رفاقه الى جلسات اللهو والاكل والشرب صار ينزع عنه قميصه ليعطيه لاي شخص يحتاجه. كان فرحا في كل وقت. كان يرنم دائما. كان يحيا حياته بالحب حتى اصبح هدفه هو حب الله وحده.

يقول:

“لقد قال لي الله ماذا يريد مني. لقد ارادنى ان اكون نوعا جديدا من المجانين في هذا العالم”.